فصل: فضل الله على الناس ببعث الرسل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: سيرة ابن هشام المسمى بـ «السيرة النبوية» **


 ذكر ما أنزل الله في أحد من القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم ‏

قال ‏‏:‏‏ حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام ، قال ‏‏:‏‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي ، قال ‏‏:‏‏ فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران ، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك ، ومعاتبة من عاتب منهم ، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ، والله سميع عليم ‏‏"‏‏ ‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ تبوئ المؤمنين ، تتخذ لهم مقاعد ومنازل ‏‏.‏‏ قال الكميت بن زيد ‏‏:‏‏

ليتني كنت قبله * ‏قد تبوأت مضجعا ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏ وهذا البيت في أبيات له ‏‏.‏‏

أي سميع بما تقولون ، عليم بما تخفون ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏

‏‏"‏‏ إذ همت طائفتان منكما أن تفشلا ‏‏"‏‏ أي تتخاذلا ، والطائفتان ‏‏:‏‏ بنو سلمة بن جشم بن الخزرج ، وبنو حارثة بن النبيت من الأوس ، وهما الجناحان ، يقول الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ والله وليهما ‏‏"‏ أي المدافع عنهما ما همتا به من فشلهما ، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما غير شك في دينهما ، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته ، حتى سلمتا من وهونهما وضعفهما ، ولحقتا بنبيهما صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ حدثني رجل من الأسد من أهل العلم ، قال ‏‏:‏‏ قالت الطائفتان ‏‏:‏‏ ما نحب أنا لم نهم بما هممنا به ، لتولي الله إيانا في ذلك ‏‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ يقول الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ‏‏"‏ أي من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل علي ، وليستعن بي ، أعنه على أمره ، وأدافع عنه ، حتى أبلغ به ، وأدفع عنه ، وأقويه على نيته ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، فاتقوا الله لعلكم تشكرون ‏‏"‏ أي فاتقوني ، فإنه شكر نعمتي ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ ولقد نصركم الله ببدر ‏‏"‏‏ وأنتم أقل عددا ، وأضعف قوة ‏‏"‏‏ ، ‏‏"‏‏ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ‏‏"‏ أي إن تصبروا لعدوي ، وتطيعوا أمري ، ويأتوكم من وجههم هذا ، أُمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ مسومين ‏‏:‏‏ معلمين ‏‏.‏‏ بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال ‏‏:‏‏ أعلموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوف أبيض ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏

فأما ابن إسحاق فقال ‏‏:‏‏ كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضا ‏‏.‏‏ وقد ذكرت ذلك في حديث بدر ‏‏.‏‏ والسيما ‏‏:‏‏ العلامة ‏‏.‏‏ وفي كتاب الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ‏‏"‏ أي علامتهم ‏‏.‏‏ و ‏‏"‏‏ حجارة من سجيل منضود ‏‏.‏‏ مسومة ‏‏"‏‏ يقول ‏‏:‏‏ معلمة ‏‏.‏‏ بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال ‏‏:‏‏ عليها علامة ، أنها ليست من حجارة الدنيا ، وأنها من حجارة العذاب ‏‏.‏‏ قال رؤبة بن العجاج ‏‏:‏‏

فالآن تبلي بي الجياد السهم * ولا تجاريني إذا ما سوّموا

وشخصت أبصارهم وأجذموا *

أجذموا ‏‏(‏‏ بالذال المعجمة ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي أسرعوا ؛ و أجدموا ‏‏(‏‏ بالدال المهملة ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أقطعوا ‏‏.‏‏

و هذه الأبيات في أرجوزة له ‏‏.‏‏ والمسومة أيضاً ‏‏:‏‏ المرعية ‏‏.‏‏ وفي كتاب الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ والخيل المسومة ‏‏"‏‏ و ‏‏"‏‏ شجر فيه تسيمون ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏ تقول العرب ‏‏:‏‏ سوم خيله وإبله ، وأسامها ‏‏:‏‏ إذا رعاها ‏‏.‏‏ قال الكميت بن زيد ‏‏:‏‏

راعيا كان مسجحا ففقدنا * ه وفقد المسيم هلك السوام ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ مسجحا ‏‏:‏‏ سلس السياسة محسن إلى الغنم ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

‏‏"‏‏ وما جعله الله إلا بشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ‏‏"‏ أي ما سميت لكم من سميت من جنود ملائكتي إلا بشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ، لما أعرف من ضعفكم ، وما النصر إلا من عندي ، لسلطاني وقدرتي ، وذلك أن العز والحكم إلي ، لا إلى أحد من خلقي ‏‏.‏‏ ثم قال ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ‏‏"‏ أي ليقطع طرفا من المشركين بقتل ينتقم به منهم ، أو يردهم خائبين ‏‏:‏‏ أي ويرجع من بقي منهم فَلاً خائبين ، لم ينالوا شيئا مما كانوا يأملون ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يكبتهم ‏‏:‏‏ يغمهم أشد الغم ، ويمنعهم ما أرادوا ‏‏.‏‏ قال ذو الرمة ‏‏:‏‏

ما أنس من شجن لا أنس موقفنا * في حيرة بين مسرور ومكبوت

ويكبتهم أيضاً ‏‏:‏‏ يصرعهم لوجوههم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم قال لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ ليس لك من الأمر شيء ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم ، فإنهم ظالمون ‏‏"‏ أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي ، إلا ما أمرتك به فيهم أو أتوب عليهم برحمتي ، فإن شئت فعلت ، أو أعذبهم بذنوبهم فبحقي ‏‏"‏‏ ‏‏"‏‏ فإنهم ظالمون ‏‏"‏ أي قد استوجبوا ذلك بمعصيتهم إياي ‏‏"‏‏ ‏‏"‏‏ والله غفور رحيم ‏‏"‏ أي يغفر الذنب ويرحم العباد ، على ما فيهم ‏‏.‏‏

 النهي عن الربا

ثم قال ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ‏‏"‏‏ ‏أي لا تأكلوا في الإسلام ، إذ هداكم الله به ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره ، مما لا يحل لكم في دينكم ‏‏"‏‏ واتقوا الله لعلكم تفلحون ‏‏"‏‏ ‏أي فأطيعوا الله لعلكم تنجون مما حذركم الله من عذابه ، وتدركون ما رغبكم الله فيه من ثوابه ، ‏‏"‏‏ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ‏‏"‏‏ ‏أي التي جعلت دارا لمن كفر بي ‏.‏‏

 الحض على الطاعة

ثم قال ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ‏‏"‏‏ معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم به في ذلك اليوم وفي ‏غيره ‏‏.‏‏ ثم قال ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ، وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ‏‏"‏‏ ‏أي دارا لمن أطاعني وأطاع رسولي ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ، والله يحب المحسنين ‏‏"‏‏ أي وذلك هو الإحسَّان ، وانا أحب من عمل به ، ‏‏"‏‏ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ‏‏"‏‏ ‏أي إن أتوا فاحشة ، أو ظلموا أنفسهم بمعصية ، ذكروا نهي الله عنها وما حرم عليهم ، فاستغفروه لها ، وعرفوا انه لا يغفر الذنوب إلا هو ‏‏.‏‏

‏‏"‏‏ ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ‏‏"‏‏ أي لم يقيموا على معصيتي كفعل من أشرك بي فيما غلوا به في كفرهم ، وهم يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ، ونعم أجر العاملين ‏‏"‏‏ أي ثواب المطيعين ‏.‏‏

 ذكر ما أصابهم وتعزيتهم عنه

ثم استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم ، والبلاء الذي أصابهم ، والتمحيص لما كان فيهم ، واتخاذه الشهداء منهم ، فقال ‏‏:‏‏ تعزية لهم ، وتعريفا لهم فيما صنعوا ، وفيما هو صانع بهم ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ‏‏"‏ أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي ‏‏:‏‏ عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين ، فرأوا مثلات قد مضت مني فيهم ، ولمن هو على مثل ما هم عليه من ذلك مني ، فإني أمليت لهم ‏‏:‏‏ أي لئلا يظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي ، للدولة التي أدلتهم بها عليكم ، ليبتليكم بذلك ، ليعلمكم ما عندكم ‏‏.‏‏

ثم قال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ‏‏"‏ أي هذا تفسير للناس إن قبلوا الهدى ‏‏"‏‏ وهدى وموعظة ‏‏"‏ أي نور وأدب ‏‏"‏‏ للمتقين ‏‏"‏ أي لمن أطاعني وعرف أمري ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ ولا تهنوا ولا تحزنوا ‏‏"‏ أي لا تضعفوا ولا تبئسوا على ما أصابكم ، ‏‏"‏‏ ‏‏"‏‏ ‏‏"‏‏وأنتم الأعلون ‏‏"‏ أي لكم تكون العاقبة والظهور ‏‏"‏‏ إن كنتم مؤمنين ‏‏"‏ أي إن كنتم صدقتم نبيي بما جاءكم به عني ‏‏.‏‏

‏‏"‏‏ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ‏‏"‏‏ أي جراح مثلها ‏‏"‏‏ وتلك الأيام نداولها بين الناس ‏‏"‏ أي نصرفها بين الناس للبلاء والتمحيص ‏‏"‏‏ وليعلم الله الذين آمنوا ، ويتخذ منكم شهداء ، والله لا يحب الظالمين ‏‏"‏ أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين ، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة ‏‏"‏‏ والله لا يحب الظالمين ‏‏"‏ أي المنافقين الذين يظهرون الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية ‏‏"‏‏ وليمحص الله الذين آمنوا ‏‏"‏ أي يخبتر الذين آمنوا حتى يخلصهم بالبلاء الذي نزل بهم ، وكيف صبرهم ويقينهم ، ‏‏"‏‏ ويمحق الكافرين ‏‏"‏ أي يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به ‏‏.‏‏

 دعوة الجنة للمجاهدين

ثم قال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، ويعلم الصابرين ‏‏"‏ أي حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا من ثوابي الكرامة ، ولم أختبركم بالشدة ، وأبتليكم بالمكاره ، حتى أعلم صدق ذلك منكم بالإيمان بي ، والصبر على ما أصابكم فيَّ ، ولقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم ، يعني الذين استنهضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خروجه بهم إلى عدوهم ، لما فاتهم من حضور اليوم الذي كان قبله ببدر ، ورغبة في الشهادة التي فاتتهم بها ، فقال ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ‏‏"‏‏ يقول ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ‏‏"‏ أي الموت بالسيف في أيدي الرجال قد خلى بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم ، ثم صدهم عنكم ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ، وسيجزي الله الشاكرين ‏‏"‏ أي لقول الناس قتل محمد صلى الله عليه وسلم وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم ‏‏"‏‏ أفإن مات أو قتل ‏‏"‏‏ رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم وتركتم جهاد عدوكم ، وكتاب الله ‏‏.‏‏ وما خلف نبيه صلى الله عليه وسلم من دينه معكم وعندكم ، وقد بين ‏لكم فيما جاءكم به عني أنه ميت ومفارقكم ، ‏‏"‏‏ ومن ينقلب على عقبيه ‏‏"‏‏ أي يرجع على دينه ‏‏"‏‏ فلن يضر الله شيئا ‏‏"‏ أي ليس ينقص ذلك عز الله تعالى ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته ، ‏‏"‏‏ وسيجزي الله الشاكرين ‏‏"‏‏ أي من أطاعه وعمل بأمره ‏‏.‏‏

 ذكره أن الموت بإذن الله

ثم قال ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ‏‏"‏ أي أن لمحمد صلى الله عليه وسلم أجلا هو بالغه ، فإذا أذن الله عز وجل في ذلك كان ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخره نؤته منها وسنجزي الشاكرين ‏‏"‏ أي من كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة نؤته منها ما قسم له من رزق ، ولا يعدوه فيها وليس له في الآخرة من حظ ، ‏‏"‏‏ ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ‏‏"‏‏ ما وعد به ، مع ما يجزى عليه من رزقه في دنياه ‏‏"‏‏ وسنجزي الشاكرين ‏‏"‏ أي المتقين ‏‏.‏‏

 ذكر شجاعة المجاهدين من قبل مع الأنبياء

ثم قال ‏‏"‏‏ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا ، والله يحب الصابرين ‏‏"‏ أي وكأين من نبي أصابه القتل ، ومعه ربيون كثير ‏‏:‏‏ أي جماعة ، فما وهنوا لفقد نبيهم ، وما ضعفوا عن عدوهم ، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله تعالى ، وعن دينهم ، وذلك الصبر ، والله يحب الصابرين ‏‏"‏‏ وما كان قولهم إلاان قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ واحد الربيين ‏‏:‏‏ ربي ؛ وقولهم ‏‏:‏‏ الرباب ، لولد عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس ، ولضبة ، لأنهم تجمعوا وتحالفوا ، من هذا ، يريدون الجماعات ‏‏.‏‏ وواحدة الرباب ‏‏:‏‏ ربة ‏‏.‏‏ وربابة ، وهي ‏‏:‏‏ جماعات قداح أو عصي ونحوها ، فشبهوها بها ‏‏.‏‏

قال أبو ذؤيب الهذلي ‏‏:‏‏

وكأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع

وهذا البيت في أبيات له ‏‏.‏‏ وقال أمية بن أبي الصلت ‏‏:‏‏

حول شياطينهم أبابيل ربيون * شدوا سنورا مدسورا

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏:‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ والربابة أيضاً ‏‏:‏‏ الخرقة التي تُلف فيها القداح ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ والسنور ‏‏:‏‏ الدروع ‏‏.‏‏ والدسر ، هي المسامير التي في الحلق ، يقول الله عز وجل ‏‏"‏‏ وحملناه على ذات ألواح ودسر ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏

قال الشاعر ، وهو أبو الأخزر الحماني ، من تميم ‏‏:‏‏

دَسْرا بأطراف القنا المقوّم *

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ أي فقولوا مثل ما قالوا ، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم ، واستغفروه كما استغفروه ، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم ، ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين ، واسألوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم ، واستنصروه على القوم الكافرين ، فكل هذا من قولهم قد كان ؛ وقد قتل نبيهم ، فلم يفعلوا كما فعلتم ، فآتاهم الله ثواب الدنيا بالظهور على عدوهم ، وحسن ثواب الآخرة ، وما وعد الله فيها ، والله يحب المحسنين ‏‏.‏‏

 تحذيره إياهم من إطاعة الكفار

‏‏"‏‏ يا أيها الذين أمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ‏‏"‏ أي عن عدوكم فتذهب دنياكم وآخرتكم ، ‏‏"‏‏ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ‏‏"‏‏ ، فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم فاعتصموا به ، ولا تستنصروا بغيره ، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدين عن دينه ، ‏‏"‏‏ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ‏‏"‏ أي الذي به كنت أنصركم عليهم بما أشركوا بي ما لم أجعل لهم من حجة ، أي فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور عليكم ما اعتصمتم بي ، واتبعتم أمري للمصيبة التي أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لأنفسكم ، خالفتم بها أمري للمعصية ، وعصيتم بها النبي صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

‏‏"‏‏ ولقد صدقكم الله وعدوه إذ تحسونهم بإذنه ، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ، والله ذو فضل على المؤمنين ‏‏"‏‏‏‏:‏‏ أي قد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم ، إذ تحسونهم بالسيوف ‏‏:‏‏ أي القتل بإذني وتسليطي أيديكم عليهم ، وكف أيديهم عنكم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الحسّ ‏‏:‏‏ الاستئصال ‏‏:‏‏ يقال ‏‏:‏‏ حسست الشيء ‏‏:‏‏ أي استأصلته بالسيف وغيره ‏‏.‏‏ قال جرير ‏‏:‏‏

تحسهم السيوف كما تسامى * حريق النار في الأجم الحصيد ‏

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ وقال رؤبة بن العجاج ‏‏:‏‏

إذا شكونا سنة حسوسا *

تأكل بعد الأخضر اليبيسا *

وهذان البيتان في أرجوزة له ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ حتى إذا فشلتم ‏‏"‏ أي تخاذلتم ، ‏‏"‏‏ وتنازعتم في الأمر ‏‏"‏ أي اختلفتم في أمري ، أي تركتم أمر نبيكم وما عهد اليكم ، يعني الرماة ‏‏"‏‏ وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ‏‏"‏ أي الفتح لا شك فيه ، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم ، ‏‏"‏‏ منكم من يريد الدنيا ‏‏"‏ أي الذين أرادوا النهب في الدنيا ، وترك ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة ‏‏"‏‏ ومنكم من يريد الآخرة ‏‏"‏ أي الذين جاهدوا في الله ، ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه ، لعرض من الدنيا ، رغبة فيها ، رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة ، أي الذين جاهدوا في الدين ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه ، لعَرض من الدنيا ، ليختبركم ، وذلك ببعض ذنوبكم ، ولقد عفا الله عن عظيم ذلك ، أن لا يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم ، ولكني عدت بفضلي عليكم ، وكذلك ‏‏"‏‏منَّ الله على المؤمنين ‏‏"‏‏ أن عاقب ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبا وموعظة ، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم ، بما أصابوا من معصيته ، رحمةً لهم ، وعائدة عليهم ، لما فيهم من الإيمان ‏‏.‏‏

 تأنيبه إياهم لفرارهم عن نبيهم

ثم أنَّبهم بالفرار عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وهم يُدعون لا يَعْطفون عليه لدعائه إياهم ، فقال ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، والرسول يدعوكم في أخراكم ، فأثابكم غمَّاً بغم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ‏‏"‏‏‏‏:‏‏ أي كربا بعد كرب ، بقتل من قتل من إخوانكم ، وعُلوّ عدوِّكم عليكم ، وبما وقع في أنفسكم من قول من قال ‏‏:‏‏ قتل نبيكم ، فكان ذلك مما تتابع عليكم غماً بغم ، لكيلا تحزنوا عل ما فاتكم ، من ظهوركم على عدوكم ، بعد أن رأيتموه بأعينكم ، ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم حتى فرَّجت ذلك الكربَ عنكم ‏‏"‏‏ والله خبير بما تعلمون ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏ وكان الذي فرَّج الله به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغم الذي أصابهم ، أنَّ الله عزَّ وجل ردَّ عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيَّاً بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم ، والمصيبة التي أصابتهم في أخوانهم ، حين صرف الله القتل عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ‏‏"‏‏، ثم أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ‏‏"‏‏ فأنزل الله النعاس أمنة منه على أهل اليقين به ، فهم نيام لا يخافون ، وأهل النفاق قد أهمَّتهم أنفسهم ، يظنون بالله غير الحق ظنَّ الجاهلية ، تخوف القتل ، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة ، فذكر الله عز وجل تلاومهم وحسرتهم على ما أصابهم ، ثم قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ‏‏"‏‏ قل لو كنتم في بيوتكم ‏‏"‏‏ لم تحضروا هذا الموطن الذي أظهر الله فيه منكم ما أظهر من سرائركم ‏‏"‏‏ لبرز ‏‏"‏‏ لأخرج ‏‏"‏‏ الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ‏‏"‏‏ إلى موطن غيره يصرعون فيه حتى يبتلي به ما في صدورهم ‏‏"‏‏ وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ‏‏"‏‏ أي لا يخفي عليه ما في صدروهم مما استخفوا به منكم ‏‏"‏‏

 تحذيرهم أن يكونوا ممن يخشون الموت في الله

ثم قال ‏‏:‏‏‏‏"‏‏ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزَّى لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا ، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعلون بصير ‏‏"‏‏ ، أ ي لا تكونوا كالمنافقين الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله ، والضرب في الأرض في طاعة الله عز وجل وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا ، ‏‏"‏‏ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ‏‏"‏‏ لقلة اليقين بربهم ‏‏"‏‏ والله يحيي ويميت ‏‏"‏‏ أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من ذلك من آجالهم بقدرته ، قال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ‏‏"‏‏، أي إن الموت لكائن لابد منه ، فموت في سبيل الله أو قتل خير ، لو علموا وأيقنوا مما يجموعون من الدنيا التي لها تأخرون عن الجهاد ، تخوّف الموت والقتل لما جمعوا من زهرة الدينا زهادةً في الآخرة ‏‏"‏‏ ولئن متم أو قتلتم ‏‏"‏‏ أي ذلك كان ‏‏"‏‏ لإلى الله تحشرون ‏‏"‏‏‏‏:‏‏ أي أن إلى الله المرجع ، فلا تغرنكم الدينا ، ولا تغتروا بها ، وليكن الجهاد وما رغَّبكم الله فيه من ثوابه آثر عندكم منها ‏‏.‏‏‏‏"‏‏

 ذكره رحمة الرسول عليهم

ثم قال تبارك وتعالى ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظَّاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك ‏‏"‏ أي لتركوك ‏‏"‏‏ فاعف عنهم ‏‏‏:‏‏ أي فتجاوز عنهم ‏‏"‏‏ واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ‏‏"‏‏ ، فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم لينه لهم ، وصبره عليهم ، لضعفهم ، وقلة صبرهم على الغِلظة لو كانت منه عليهم في كل ما خالفوا عنه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏ ثمَّ قال تبارك وتعالى ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ فاعف عنهم ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ أي تجاوز عنهم ،‏‏"‏‏ واستغفر لهم ‏‏"‏‏ ذنوبهم ، من قارف من أهل الإيمان منهم ‏‏"‏‏ وشاورهم في الأمر ‏‏"‏ أي لتُرِيهم أنك تسمع منهم ، وتستعين بهم ، وإن كنت غنياً عنهم تألُّفاً لهم بذلك على دينهم ‏‏"‏‏ فإذا عزمت ‏‏"‏ أي على أمرٍ جاءك مني ، وأمر من دينك في جهاد عدوك لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك ، فامض على ما أمرت به ، على خلاف من خالفك ، وموافقة من وافقك ، ‏‏"‏‏ فتوكل على الله ‏‏"‏‏ أي ارض به من العباد ، ‏‏"‏‏ إن الله يحب المتوكلين إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ‏‏"‏‏ أي لئلا تترك أمري للناس وارفض أمر الناس إلى أمري وعلى الله لا على الناس فليتوكل المؤمنون ‏‏"‏‏

 ما نزل في الغلول

ثم قال ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ وما كان لنبي أن يغلَّ ومن يغلل يأتي بما غلَّ يوم القيامة ثم توفىَّ كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ‏‏"‏ أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة ، ومن يفعل ذلك يأت يوم القيامة به ثم يجزى بكسبه غير مظلوم ولا معتد عليه ، ‏‏"‏‏ أفمن اتبع رضوان الله ‏‏"‏‏ على ما أحب الناس أو سخطوا ،‏‏"‏‏ كمن باء بسخط من الله ‏‏"‏‏ لرضا الناس أو لسخطهم ، يقول ‏‏:‏‏ أفمن كان على طاعتي فثوابه الجنة ورضوان من الله كمن باء بسخط من الله واستوجب سخطه ، ‏‏"‏‏ ومأواه جهنم وبئس المصير ‏‏"‏‏ أسواءٌ المثلانِ ‏‏؟‏‏‏‏!‏‏‏‏!‏‏ فاعرفوا ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ‏‏"‏‏ ، لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار أي ‏‏:‏‏ إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته ‏‏"‏‏

 فضل الله على الناس ببعث الرسل

ثم قال ‏‏"‏‏ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبله لفي ضلال مبين ‏‏"‏‏ أي ‏‏:‏‏ لقد منَّ الله عليكم يا أهل الإيمان إذ بعث فيكم رسولاً من أنفسكم ، يتلو عليكم آياته فيما أحدثتم ، وفيما عملتم فيعلمكم الخير والشر ، لتعرفوا الخير فتعملوا به والشر فتتقوه ، ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه فتستكثروا من طاعته وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته ، ولتتخلصوا بذلك من نقمته وتدركوا بذلك ثوابه من جنته ‏‏"‏‏ وإن كنتم من قبل لفي ضلال مبين ‏‏"‏ أي لفي عمياء من الجاهلية أي لا تعرفون حسنة ، ولا تستغفرون من سيئة ، صمٌ على الخير ، بكمٌ عن الحق ، عميٌ عن الهدى ‏‏.‏‏